السعيد شنوقة

73

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

مثّل أزهى فتراتهم إلا أنهم عمدوا بعد أسلوب الإقناع والحجة في عهده إلى إكراه الناس على اعتناق أصولهم فناقضوا بهذا أحد مبادئهم وهو « حرية الاختيار » . وإذا كانت رقعة الفتوحات قد اتسعت للمسلمين ؛ فإنهم عثروا فيها على ناس تدين بديانات شتى : يهودية ومسيحية ومجوسية « 1 » وصابئة « 2 » وسمنية « 3 » ، فتعايشوا معهم ، ويمكن أن يكونوا تأثروا ببعض آرائهم لمحافظة الداخلين في الإسلام على عقائدهم القديمة أو لأنهم دخلوا في الإسلام بغير إيمان صادق ولهدف أو بدافع الحقد لمحاربته والكيد له من الداخل ، لهذا لما عمّ الجدال بين المسلمين وجد أصحاب تلك الديانات الفرصة ليثيروا معتقداتهم في الناس ، وهم الذين دخل بعضهم الإسلام حقدا عليه وعلى أتباعه لأنه أزاح ملكهم وقوّض أركانه ، وهو ما جعلهم يحاربونه من الداخل بترويج ما يتنافى مع العقيدة الإسلامية . ولم تكن مسائل الإلهيات على حيويتها معهودة الطرح بين المسلمين قبل ، فشعروا بالارتياب أمامها ، وامتنعوا عن الخوض فيها مكتفين بما في القرآن الكريم والسنة الشريفة في الأول ، وأبوا البحث الديني خارجها وردّوا الجدل فيه ، لأنهم كانوا متمسكين بالإيمان المؤسس على النقل . غير أن بعضهم لم يكن ليتجنب هذه القضايا ذات الصلة بالبحث الإلهي رغبة في الاستطلاع ، وحبا في المعرفة فاستقصاها ودقق فيها باحثا وممحّصا ليقارنها لاحقا بالتعاليم الإسلامية وهم الموسومون بالقدرية الأوائل والمعتزلة بعد ذلك والجهمية « 4 » ، لأن مقارعة الخصم تلزم الدراية بأدواته وبمنهجه وبتنظيمه ، لهذا توسع هؤلاء في العلوم وشغفوا بالفلسفة ، وكلفوا بالآداب ليقدروا على محاجة المخالفين وإفحامهم دفاعا عن الدين الإسلامي ونصرة لمبدأ التوحيد وهي النية التي ساورت المعتزلة أصلا واعترف لهم بها . قال جولد زيهر : « كانوا يهدفون إلى

--> ( 1 ) ذكر الشهرستاني أهم فرق المجوسية : الثنوية الزرادشتية والمانوية والديصانية والمزدكية والمرقيونية . انظر الملل والنحل ، ج 1 ص 274 وما بعدها . ( 2 ) الصابئة أو الصابئون جمع صابئ من مال وانتقل إلى دين آخر وانظر م ن ، ج 1 ، ص 275 . ( 3 ) كانت قبل الإسلام وهي من القائلين بالتناسخ . انظر البغدادي ، الفرق بين الفرق ، ص 270 وما بعدها . ( 4 ) نظر : زهدي جار الله ، المعتزلة ، ص 30 : غلب لقب الجهمية على المعتزلة في زمن خلافة المأمون ، وسنبيّن في ألقاب المعتزلة من هذا البحث لاحقا كيف تبرم المعتزلة منه .